القرطبي
11
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
الجنة ، وإن كانت السيئات أثقل ولو بصؤابة دخل النار ، إلا أن يغفر اللّه ، وإن تساويا كان من أصحاب الأعراف على ما يأتي . هذا إن كانت الكبائر فيما بينه وبين اللّه ، وأما إن كانت عليه تبعات ، وكانت له حسنات كثيرة ، فإنه ينقص من ثواب حسناته بقدر جزاء السيئات ، لكثرة ما عليه من التبعات ، فيحمل عليه من أوزار من ظلمه ثم يعذب على الجميع ، هذا ما تقتضيه الأخبار على ما تقدم ويأتي . وقال أحمد بن حرب : تبعث الناس يوم القيامة على ثلاث فرق ؛ فرقة أغنياء بالأعمال الصالحة وفرقة فقراء وفرقة فقراء وفرقة أغنياء ثم يصيرون فقراء مفاليس في شأن التبعات . وقال سفيان الثوري : « إنك أن تلقى اللّه عز وجل بسبعين ذنبا فيما بينك وبينه ، أهون عليك من أن تلقاه بذنب واحد فيما بينك وبين العباد » . قال المؤلف : هذا صحيح لأن اللّه غني كريم ، وابن آدم فقير مسكين ، محتاج في ذلك اليوم إلى حسنة يدفع بها سيئة إن كانت عليه ، حتى ترجح ميزانه فيكثر خيره وثوابه . وأما الكافر ؛ فإنه يوضع كفره في الكفة المظلمة ولا يوجد له حسنة توضع في الكفة الأخرى ، فتبقى فارغة لفراغها وخلوها عن الخير ، فيأمر اللّه بهم إلى النار ويعذب كل واحد منهم بقدر أوزاره وآثامه . وأما المتقون ؛ فإن صغائرهم تكفّر باجتنابهم الكبائر ، ويؤمر بهم إلى الجنة ويثاب كل واحد منهم بقدر حسناته وطاعته ، فهذان الصنفان هما المذكوران في القرآن في آيات الوزن ، لأن اللّه تعالى لم يذكر إلا من ثقلت موازينه ومن خفت موازينه ، وقطع لمن ثقلت موازينه بالإفلاح والعيشة الراضية ، ولمن خفت موازينه بالخلود في النار بعد أن وصفه بالكفر ، وبقي الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا فبينهم النبي صلى اللّه عليه وسلم حسب ما ذكرنا . وإنما توزن أعمال المتقي لإظهار فضله ، كما توزن أعمال الكافر لخزيه وذله ، فإن أعماله توزن تبكيتا له على فراغه وخلوه عن كل خير ، فكذلك توزن أعمال المتقي تحسينا لحاله وإشارة لخلوه من كل شر ، وتزيينا لأمره على رؤوس الأشهاد . وأما المخلط السيئ بالصالح فإن دخل النار فيخرج بالشفاعة ، على ما يأتي . فصل فإن قيل : أخبر اللّه عن الناس أنهم محاسبون مجزيون ، وأخبر أنه يملأ جهنم من الجنّة والناس أجمعين ، ولم يخبر عن ثواب الجن ولا عن حسابهم بشيء ، فما القول في ذلك عندكم ، وهل توزن أعمالهم ؟